انسداد الأفق الدبلوماسي حول ملف سلاح حزب الله وضع اللاعبين الإقليميين والدوليين أمام معضلة واضحة، فهل تمثل المواجهة العسكرية أو التهديد بها مخرجاً عملياً لإسرائيل لحسم الملف اللبناني، أم أن الحفاظ على "الوضع الراهن" يخدم مصالحها على المدى القصير من دون مخاطرة اندلاع حرب شاملة سيكون لها كلفة عليها بطبيعة الحال؟.
إن الحالة الراهنة التي تشهد توتراً مستمراً، وحرية بالعمل العسكري دون كلفة سياسية وعسكرية وأمنية، تمنح إسرائيل فوائد عملية فورية أبرزها القدرة على إدارة التصعيد بحدود ضيقة، الاستمرار في ضرب أهداف محددة وقت الحاجة، والاستفادة من الاستثمار السياسي والدبلوماسي للضغط على بيروت لفرض شروط معينة في لعبة التفاوض، هذا النمط يخدم أيضا مصالح داخلية إسرائيلية وسياسية قيادية تسعى لإظهار قدرة على الردع من دون المخاطرة بانهيار مواقف داخلية أو تآكل دعم دولي قد تسببه الحرب.
بعد ما اعتبرت إسرائيل أنها حققت من إنجازات على الساحة اللبنانية، وحصولها على الضوء الأخضر الاميركي للاستمرار بالأعمال العدائية كما تُريد بعد انهيار النظام السابق في سوريا، ونيتها إلى جانب أميركا التنصل من اتفاق وقف إطلاق النار، ومن ثم القرار 1701، توجّهت الأنظار الإسرائيلية إلى غزة وإيران وسوريا، وبقيت تلعب دورها في لبنان إلى جانب الخطة الأميركية التي رسمت مساراً سياسياً واقتصادياً لتجريد حزب الله من سلاحه وجرّ لبنان للتفاوض المباشر مع تل ابيب وإدخاله بقطار التطبيع والإتفاقات الإبراهيمية.
استمر الحال هكذا منذ توقف الحرب بشكلها السابق في تشرين الثاني الماضي، وانطلق المسار الذي أوصل لما نحن عليه اليوم، ولكن منذ أشهر قليلة برز في أميركا موقف متشدد لمجموعة المتشددين، لا بما يتعلق بلبنان وحسب بل بكل المنطقة، فأطلق هؤلاء الحديث عن تغيير خرائط المنطقة لصالح اسرائيل، والسلام بالقوة، وأخطاء سايس بيكو، وتهجير سكان غزة، وضرورة وضع خطة باء لتجريد حزب الله من سلاحه، وقد تحدث عن هذا الرأي السيناتور ليندسي غراهام الذي يمثل هذا الرأي المعروف بتشدده في أميركا.
كان توم باراك يمثل الموقف المعاكس في البداية، عندما كان الموقف الأميركي الداعي للعمل السياسي متقدماً، ولكن في كلامه الاخير بدا وكأنه أصبح من المتشددين الذين يطلقون التهديدات ويضعون المهل الزمنية التي تمهد للتصعيد العسكري، ويبدو بحسب مطلعين على الأجواء الأميركية، أن الموقف المتطرّف من ظروف المنطقة قد تقدم في واشنطن، وبالتالي لم تعد ترى الإدارة الأميركية ضررا من رفع مستوى التهديد والمباشرة بتصعيد عسكري بغية دفع لبنان نحو الإستسلام.
ترى المصادر أن مصلحة إسرائيل طوال المرحلة الماضية كانت بإبقاء التصعيد مدروسا كونها مستفيدة من كل ما تقوم به، ولكنها اليوم قد تجد نفسها مضطرة لتغيير المشهد بعض الشيء لأسباب مهمة أبرزها، توقف الحرب في غزة وحاجة بنيامين نتانياهو لإبقاء الوضع ملتهباً في المنطقة، عدم نجاح الضغوط الماضية بجر لبنان نحو الاستسلام، عدم قدرة إسرائيل على الإنتظار لمزيد من الوقت في حين يقوم الحزب بترميم ذراعه العسكري، ولكن يبقى السؤال الأساسي، هل تحقق تل ابيب اهدافها بحال لجأت للتصعيد العسكري؟.
إسرائيل قد ترى في التصعيد وسيلة لإعادة ترتيب المعادلات الإقليمية بسرعة نسبية، مع إجبار بيروت على تقبل حلول لم تكن لتقبل بها سابقاً كالتفاوض المباشر لتوقيع صكّ الإستسلام، لكنها حتماً لا ترى فيه وسيلة لنزع سلاح حزب الله وهي التي جرّبت هذا الخيار في غزة على مدار عامين، بالمقابل فإن أي خيار عسكري لا بد أن يدرس قدرة الحزب على التكيف وإعادة بناء المخاطر الواقعة على إسرائيل نفسها من شمال فلسطين حتى تل أبيب، وضرورة توقُّع ردود فعل إقليمية قد تمتد إلى جبهات أخرى تُعيد تعقيد موقف واشنطن وإسرائيل.





















































